ابن رشد
78
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
على جميع الأعراض بما شاهدناه منها حادثا فلما ذا لا نفعل الشيء نفسه بالنسبة للأجسام ، فننطلق من الحكم على جميع الأجسام بالحدوث بما شهدناه منها حادثا ، ونستغني بالتالي عن هذه الطريق الملتوية التي نحكم فيها على جميع الأعراض بالحدوث لننقل هذا الحكم بعد ذلك إلى الجواهر ثم منها إلى الأجسام . وبالاستغناء عن هذا الطريق نستغني عن فكرة الجوهر الفرد ذاته . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يلاحظ ابن رشد أن المشكلة ليست في القول بحدوث الأجسام التي من جنس الأجسام الأرضية التي نشاهدها ، وإنما المشكلة هي أن الجسم السماوي ، وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد وتعميم حكم هذا الأخير عليه ، لا نقدر أن نحكم بالحدوث لا عليه كجسم ولا على أعراضه ، لأنه ليس في متناول حسنا ولا مشاهدتنا . ( يجعل أرسطو الجسم السماوي من طبيعة خامسة هي الأثير ) . ولما كان الأمر كذلك ، أي إذا كان من غير الجائز قياس الجسم السماوي على الأجسام الأرضية لأننا لا نشاهده ، " فقد يجب أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته " ، كما فعل أرسطو . ومعلوم أن حركة السماء تقع تحت مشاهدتنا ولها علاقة مباشرة بالحركة في الأرض . وهذه ، في نظر ابن رشد ، " هي الطريق التي تفضي بالسالكين إلى معرفة الله تبارك وتعالى بيقين " ، وهم العلماء والفلاسفة . إن طريقة الأشاعرة لا تؤدي إلى يقين ، لأنها تقوم على قياس غائب ( الجسم السماوي ) على شاهد ( الأجسام الأرضية ) وهما ليسا من طبيعة واحدة ، أو على الأقل لم يثبت أنهما من طبيعة واحدة . وقياس الغائب على الشاهد " دليل خطابي إلا حيث تكون النقلة معقولة بنفسها ، وذلك عند اليقين باستواء طبيعة الشاهد والغائب " ( ف : 39 ) . ج - ما يصدق على الحركة المستقيمة لا يصدق على الدائرية - وأما المقدمة الثالثة ، وهي التي يقولون فيها : إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فهي مقدمة مشركة بالاسم . وذلك أنه يمكن أن تفهم على معنيين . أحدهما : ما لا يخلو من جنس الحوادث ويخلو من آحادها . والمعنى الثاني : ما لا يخلو من واحد منها مخصوص مشار إليه ، كأنك قلت ما لا يخلو من هذا السواد المشار إليه . فأما هذا المفهوم الثاني فهو صادق : أعني ما لا يخلو عن عرض ما مشار إليه ، كهذا السواد ، فإنه يجب ، ضرورة ، أن يكون الموضوع الحامل له حادثا ، لأنه إن كان قديما فقد خلا من ذلك العرض ، وقد كنا فرضناه